اليوم أنهيت قراءة كتاب رائع – المخ وكيف يغير من بنيته The Brain that changes itself

الخميس 8 من شعبان 1439 هـ       4 مايو 2017 م

بسم الله والحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله سيدنا محمد

صلى الله عليه وسلم

كل_يوم_فكرة_عربية#

اليوم أنهيت قراءة كتاب أكثر من رائع كنت قد بدأت فيه – وهو كتاب الدماغ وكيف يطور بنيته

The Brain that changes itself

للكاتب نورمان دويدج 


وهذا الكتاب يتحدث عن موضوع ليس بالحديث جدا ً ولكنه ليس بالمنتشر أيضا ً وكثير من الناس لا يعلم عنه شيئاً – وأنا من هؤلاء – ولكن هذا الموضوع عندما علمته أدركت أنه بدأ تدريجيا ً فى الإنتشار مع اهتمام الناس بموضوعات مفيدة مثل مساعدة وتطوير الذات 


موضوع الكتاب هو اللدونة العصبية . وهى تعنى ببساطة قدرة المخ على تغيير بنيته وتركيبه الفعلي طبقا ً للظروف والعوامل المطلوبة منه والوظائف التى يؤديها 


والمقصود بالظروف والوظائف هنا جميعها.

الظروف الخارجية كالظروف البيئية والإجتماعية والداخلية الأمراض والمشاعر والألم والراحة

والوظائف أيضا ً الخارجية كالمهن والمهارات اليدوية والحركية والداخلية كالتفكير والإدراك

كل ذلك يؤثر فى عمل المخ وبالتالي فى بنيته وتركيبه من خلال تعديل الإتصالات البينية التى تربط الخلايا العصبية فيما بينها من حيث الكم والكيف . من حيث الكفاءة والسرعة


يبدأ الكتاب بشرح مفهوم اللدونة العصبية متدرجا ً بأمثلة لأطباء يعملون مع مرضى إصابات وسكتات دماغية وكيف أنه بفضل الله أمكن شفاؤهم من هذه الأمراض والإصابات التى كان يعتقد الناس فى الماضى أن هذا شئ مستحيل

ويستمر فى عرض هذه الأمثلة العجيبة والمبهرة لتجارب مثيرة تطمح لأن تساعد البشر على التعرف على وسائل أفضل لتعافي المرضى ولتحسين حياة الأصحاء وأيضا ً لحماية القدرة العقلية للبشر من التدهور بفعل المهنة أو العمر أو الظروف الإجتماعية والبيئية


ويصل الكتاب معك فى النهاية إلى الإستنتاج الذى تستطيع أن تستخلصه من خلال نتائج الكثير من التجارب التى عرضها الكاتب وهو أن هذا المخ هو خادم مطيع لسيده وهو الإنسان . فهو سوف يؤدي بالضبط ما تطلبه منه سواء خير أو شر نجاح أو فشل ، سعادة أم تعاسة .


كما أنه مثل الموظف الماهر الذي يحسن أدائه بالتدريج مع توفير طاقته وموارده دون الإخلال بالوظيفة الموكلة إليه 


هل يبدو هذا الكلام مألوفا ً ؟


المصداقية العلمية لأهمية التفكير الإيجابي 


يبدو كل هذا الكلام مثل الكلام الذي يردده الكثير من متخصصو التنمية البشرية ومساعدة الذات . أليس كذلك؟

مع تكرار هؤلاء المختصين لهذا الكلام حول أهمية التفكير الإيجابي وأن الإنسان هو صاحب الإختيار في تشكيل حياته وتفكيره وأن مخه ما هو إلا خادم أو موظف لدى الإرادة البشرية التي يملكها الإنسان إلا أن هؤلاء المختصين لا يذكرون الحقائق العلمية وراء هذه النظريات 


كل ذلك يجعل هذه النظريات تبدو وكأنها إدعاءات أو أوهام لتمني الإنسان تطوير ذاته أو كأنها أشياء من نوعية ما وراء الطبيعة 


في الحقيقة أن هذا الكتاب يثبت بالأدلة العلمية لأبحاث وتجارب أطباء الأعصاب وأطباء نفسيين وباحثين أن هذه النظريات هي حقائق علمية بحتة 


المخ خادم مطيع سوف يؤدي الوظيفة المطلوبة منه على أكمل وجه . وبتكرار طلب هذه الوظيفة منه (العادات) سوف يحسن من تركيبه ليحسن من أداؤه لهذه الوظيفة بالقدر والسرعة الأفضل فى كل مرة


كما أنه من الممكن أن يبدأ فى تعلم الوظائف الجديدة عن طريق استهلاك الكثير من الوقت والموارد العقلية (الخلايا العصبية) إلا أنه بتكرار عملية التعلم تلك يبدأ فى التحسين المستمر مما يؤدي إلى تقليل هذه الموارد المستهلكة لتتوفر لوظائف أخرى




كيف تعمل اللدونة العصبية وكيف يمكن للأشخاص العاديين الإستفادة منها ؟


من المعلوم أن الوظائف العقلية كالتفكير والإدراك والإحساس وأيضا ً الوظائف الحركية كالمشي والركض والسباحة والكتابة والتى تعد أيضا ً من الوظائف العقلية لأن المخ هو الذى يتحكم بها فى الأساس ، من المعلوم أن كل هذه الوظائف تتم داخل المخ عن طريق الإتصال بين الخلايا العصبية التي تكوِّن شبكة عصبية تختص بكل واحدة من هذه الوظائف


مع التشبيه المجازي بالطبع ، كما يعمل المعالج الدقيق (ميكروبروسسيسور) فى جهاز الكومبيوتر . حيث يحتوى المعالج الدقيق على ملايين الترانزيستورات التي تتصل فيما لتنفيذ الوظائف الحسابية كالجمع والطرح والضرب والقسمة . تتصل أيضا ً الخلايا العصبية لتنفيذ الوظائف العقلية المختلفة . وبزيادة الإتصال بين الخلايا المنفذة لهذه الوظيفة وكفاءته يتحسن أداء الإنسان لهذه الوظيفة . لنضرب مثالا ً وليكن قيادة السيارة


قيادة السيارة كمثال على اللدونة العصبية


حينما تبدأ فى تعلم مهارة جديدة مثل قيادة السيارة تبدأ ببطء وحذر فى معرفة كل الخطوات والدقائق والتفاصيل المتعلة بهذا الموضوع الجديد تماما ً بالنسبة لك وبالنسبة لمخك أيضا ً


فكما أنك لا تعلم عنه شيئا ً كذلك مخك لا يعلم عنه شيئا ً ولم يكوِّن له شبكة أو دائرة عصبية خاصة – إلا لو كانت هذه المهارة مشتركة مع مهارة أخرى تعلمها أنت بالفعل – مثل مهارة قيادة الدراجات النارية مثلاً


فماذا لوأردت التعلم وعلم مخك بذلك فماذا يفعل هذاالخادم المطيع؟


الجواب أنه يبدأ على الفور فى تكوين شبكة جديدة من الخلايا العصبية تختص بهذه المهارة لتنفيذها بأقصى سرعة وعلى أفضل وجه ممكن


ولكن المخ لازال مبتدءا ً فى هذه المهارة فماذا يفعل ؟ 


يقوم المخ بتوصيل العديد من الخلايا العصبية لتنفيذ هذه المهمة فتشغل هذه الشبكة حيزا ً كبيرا ً فى البداية 

كما أنك تلاحظ فى بداية تعلمك لمهارة جديدة مثل قيادة السيارة أنك تشعر ببعض الصعوبة أو أنك تقوم بتحريك كل جسمك . فأنت تقوم بتحريك ذراعيك الإثنين على عجلة القيادة وأرجلك على الدواسات ورقبتك ورأسك لتنظر يمنة ويسرة فى جميع الإتجاهات مستخدما ً جميع المرايا الموجودة بالسيارة وتحاول سماع جميع الأصوات من أمامك ومن خلفك


فماذا عندما تقرر أنك سوف تستمر فى ممارسة هذه المهارة الجديدة بانتظام ؟

أيضا ً يعمل المخ كالخادم المطيع لسيده بزيادة عدد الوصلات بين الخلايا العصبية المكونة لهذه الشبكة الجديدة . فتزيد بذلك كفاءة الإتصال ويزيد الأداء الخارجى تدريجيا ً


بعد ذلك مع تكرار تعلم وتنفيذ هذه المهارة يبدأ المخ فى تحسين كيفية الإتصال عن طريق إضافة مواد أشبه بالمواد العازلة لأسلاك الكهرباء لهذه الوصلات مما يؤدى إلى زيادة سرعة الإتصال وبالتالى تحسين الأداء النهائي للمهارة


ثم فى النهاية بعد التعلم تبدأ الشبكة العصبية فى الإنحسار مع زيادة كفاءة وسرعة الإتصالات بين الخلايا


ومن ناحية الأداء الخارجى للمهارة تلاحظ أنك بدلا ً من استخدامك لجسمك بصورة سريعة وفى جميع الإتجاهات تلاحظ أنك مع إتقانك للمهارة مع تكرار تنفيذها تبدأ فى الحركة صورة أكثر دقة وفى حيز أقل وبصورة أوتوماتيكية


يمكنك تطبيق هذا المثال على أى مهارة مهما كانت . التفكير مثلا ً كمهارة 


مع تكرار الإنسان لفكرة معينة على عقله يبدأ المخ فى التعامل مع هذه الفكرة على أنها مهارة ينبغى عليه أن يتقنها . فلو كانت هذه الفكرة فكرة إيجابية كإحساس الشخص عن ذاته أو إدراكه لشكله أو مظهره بصورة جيدة فإن المخ يبدأ فى تنفيذ هذه الأفكار حتى يصل إلى حد الإتقان فيها حتى يتم تنفيذها يوميا ً بصورة أوتوماتيكية 

كما بالمثل فى الأفكار السلبية أو التشاؤمية أو المشاعر السلبية تجاه النفس أو تجاه الآخرين يعمل تكرار هذه الأفكار على ترسخها واعتيادها حتى يصبح إقتلاعها من المخ أمرا ً عسيرا ً





الخلاصة


لن أستطيع بالطبع تلخيص هذا الكتاب الممتع فى مقالة واحدة ولكن ما يمكن قوله هنا أنه لكى تستطيع إتقان مهارة مهما كانت أو تغيير شئ فى حياتك فعليك بالفعل الإيجابي . وهذا الفعل الإيجابي يشمل أيضا ً التفكير الإيجابي كنوع من أنواع الفعل


كما أن الكتاب ينبه إلى أهمية التعلم المستمر للمحافظة على قدرة المخ على النمو والإحتفاظ بما لديه من مهارات تنافسية 


تذكر أن المهارات التى يتم تنفيذها باستمرار ويصل فيها المخ إلى حد الإتقان لفترة طويلة تتقلص وتنكمش كي تفسح المجال لمهارات جديدة . فإن لم تتعلم المهارات الجديدة فسوف يضعف المخ بصورة كلية وعندها تضعف المهارات الأساسية حتى المستخدمة بصورة يومية منها كالمشئ والقراءة والكتابة

لن تندم على قراءة واقتناء هذا الكتاب أبدا 


أنصحك وأنصح كل إنسان على وجه الأرض بقراءة هذا الكتاب الشيق الذى يعد بمثابة دليل المستخدم الذى يساعدك على فهم هذه الآلة المتقدمة وهذه النعمة العظيمة …..  عقلك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *